dimanche 19 juillet 2009

خميس الخياطي: إصرار "الهجالة" على تعميم النخالة

خميس الخياطي
مشهد من فيلم "زوربا اليوناني" الذي أخرجه ميخائيل كوكايانيس في العام 1964 (سنة انطلاق التلفزة التونسية) بقي عالقا في ذهني منذ أول عرض له بتونس في أواخر الستينات في نوادي السينما. هذا الفيلم الرائع والمقتبس عن رواية رائعة لها نفس العنوان من تأليف نيكوس كازنتزاكيس (1883-1957) وموسيقى ميكيس ثيودوراكيس هو من تمثيل أنطوني كوين (حمزة رسالة الراحل مصطفى العقاد) في دور "ألكسيس" والنجمة ايران باباس (هند التي أكلت قلب حمزة في الرسالة ذاتها) في دور الأرملة، والممثلة "ليلا كودروفا" في دور السيدة "هورتانس"... المشهد الذي لم أنسه به العجوز هورتانس سابحة في حلمها السابع، فيرفض ألكسيس إيقاظها، ويقول لصديق له "خليها، لا تعكر عليها حلمها، فهي صحبة سليمان باشا"...
أصبحت تلك الجملة مثالا للأميرة/العجوز النائمة التي لا ترجو من الحاضر إلا الاستمرار في الماضي... هذا التعبير استعمله مرة المؤرخ هشام جعيط في لقاء له بنقابة الصحفيين – قبل أن يرهلوها - لتقديم ومناقشة كتابه القيم "تأريخية الدعوة المحمدية بمكة" حيث في وصفه للوضع العام الذي هي عليه بلادنا، استعمل تعبير "الأميرة النائمة" التي تترقب قبلة الأمير... وكل قارئ حر في استنتاجاته.
حليمة ومنوماتها القديمة
فسواء تعلق الشأن بالعجوز أو بالأميرة، الأمر ينطبق إجماليا على تلفزتي القطاع العام، خاصة هجالتنا تونس7، التي "بصحة بلاط"، مازالت تؤمن أن لها من الجمال والرشاقة والجاذبية والذكاء والنباهة والمصداقية ما يجعلها مثل تلك العجوز التي تؤمن ان الزمن زمن سليمان القانوني، وأنها مازالت الأميرة التي سيأتيها سليمان وأنها الوحيدة الواحدة في قصر الملك... في حين نعلم كلنا أن سليمان أخذته نساء شابات عازبات أخريات متربصات به على النايل والهوتبورد والتيليكوم وأسترا وآلاف الاسطوانات المضغوطة المقرصنة إن لم نشر إلى منافستيها نسمة وحنبعل التي استقبل باعثها السيد العربي نصرة من طرف رئيس الدولة الذي أسدى "تشجيعه لصاحب هذه المؤسسة حتى تواصل مسيرتها في أفضل الظروف" كما تقول "وات"...
بعد بثها النشيد الوطني والقرآن والأذكار والأغاني المهرجاناتية التي تتغنى بتونس وما أكثرها وكأن لنا مشكلة في الانتماء لوطننا، أن تبدأ الهجالة يومها مع السابعة ببرنامج "نسمة صباح" في كل فقرة من فقراته منوم أو مخدر إن لم نقل في الحقيقة منفر نستخلصه من صوت المنشطة إن لم نستشفه من كادرات المصورين أو بخل المخرج، أن تبدأ تلفزة في سنتنا هذه من القرن الواحد والعشرين حيث جميع القنوات، لنقل أغلبها، تشع حيوية ونشاط صباحا، ببرنامج مواده "بايتة" حتى في نشرات الأخبار، فذلك يدل على أن دار لقمان على حالها أو أن حليمة لا تريد أن تتخلى عن عاداتها القديمة... نحمد الله والإدارة التلفزية التي قلصت من مدة البرنامج الذي أمدها حتى منتصف النهار تقريبا الرئيس السابق للمؤسسة السيد مصطفى الخماري...
ففي إحدى منومات هذا البرنامج، على سبيل المثال، فقرة المطبخ، ولا أدري لماذا تلفزتنا تصر على الحديث عن الأكل صباحا. في هذه الفقرة تحدث "الشاف" وأفاض في شكشوكة القرع التي وصفتها المنشطة في زلة لسان بـ"شكشوكة العرق" وأضافت أن "الزيتون متاعنا" وأن "الهريسة العربي تبنن الماكلة ياسر" ولم تنسى أن تتساءل عن سر اختيار الشاف أطباقا بلورية لتقديم مأكولاته هل ذلك "في نطاق الشفافية" إلخ... من الخزعبلات الصبيانية وكأن المركب لا يوجد به ربان وأن كل واحد يغني على ليلاه...
كذلك معرض الصحف التونسية الذي، إن لم يبعث فيك رغبة العودة إلى الفراش، فقد يكون مصدرا للغثيان... في جهاز قائم على الصورة وبصوت إذاعي جهوري كما الذي ألفناه في الستينات يقرأ لك مجهول افتتاحيات متشابهة من "الحرية" و"الرونوفو" و"الصحافة" وهي صحف لا نعرف إن كان القارئ التونسي يعرفها، مضيفا الشروق و"لابراس" و"الصريح" التي لا تنشر ورقة لا تعترف بمرور الزمن وتطور الأحداث، طالما هي قائمة على مصطلحات لا رابط بينها إلا الرغبة في الثناء والرفع من المعنويات والتقييم المفرط في الإنجازات... أن تكون هناك صحف معارضة لها أراء مغايرة عن "كونشرتو بني وي وي" وإن قيد أنملة، فذلك من المستحيلات السبع...
"الزيدي" زاد فيه...
وفي السياق نفسه بثت الهجالة برنامجا مسجلا مثل العادة تم في المبنى الجديد للتلفزة الذي يعج هذه الأيام بالزيارات التفقدية حتى لا تحصل المصيبة عند التشغيل وتطير الرؤوس كما لو كانت هي المسؤولة... هو برنامج "المنتدى" الشهير الذي يعده الأشهر علي بن نصيب ويقدمه رئيس تحرير الأخبار، السيد عماد قطاطة... كان موضوع الحلقة "السياسة الثقافية التونسية" وكأن ذلك ردا على لقاء أمين عام حزب التجديد والمرشح للانتخابات الرئاسية السيد أحمد إبراهيم بالمبدعين والمثقفين التونسيين. حضر البرنامج معالي وزير الثقافة رؤوف الباسطي، المطربة سنيا مبارك، عضو مجلس المستشارين عن الوحدوي، الناشر المنصف الشابي والسيد الدكتور وعضو اللجنة المركزية للحزب الحاكم ورئيس تحرير يوميته "الحرية"، عالم الاجتماع (كما وصف نفسه) السيد المنجي الزيدي... أن يدافع وزير الثقافة عن سياسة الدولة وأن يقرأ الأمور من زاوية المسؤول وأن يشير دائما إلى رئيس الدولة، فذلك من حقه وذلك ما هو مطلوب منه... ولكن، ونحن لسنا في حملة انتخابية، أن يزايد السيد الزيدي على وزير الثقافة و"يفريس" الخطاب الرسمي، ألا يفتح فاه وينبس بكلمة إلا وهلل وطبل وتغنى وأشاد بقرارات رئيس الدولة الرائدة في الاهتمام بالشأن الثقافي وربط الثقافة بالتنمية و... و.... و.... من النخالة وكل ذلك بصوت بارد وعينان فارغتان وهيئة أستاذية كأنه من شخصيات أورويل الإصطناعية، فإنك تلعن التلفزة وتتذكر أن العملة الصعبة حينما يستسهل استعمالها في غير محلها، تصبح من البلاستيك...
إن لعب المستشار والناشر السيد المنصف الشابي دوره كمعارض في "رفع الارانب" التي اراد كل من الوزير والزيدي وقطاطة دفنها، فذلك أدنى ما هو مطلوب منه. إلا أن البرنامج مر على مقص الرقابة ولمعده اللباقة في الإفصاح عن نية المقص... لقد قلل المقص في حدة النقاش بين الشابي والوزير في موضوعين (قلة دعم تصدير صورة تونس بالخارج وأن لا فائدة في إعلام إتحاد الناشرين والسهو عن المسؤولين الرئيسيين لأن ذلك ليس من سمات الديمقراطية)، ومع الزيدي فيما يخص الموازنة والـ1 في المائة المخصصة للثقافة ومع مقدم البرنامج في موضوع تقاسم زمن المداخلات... إن تغربل الهجالة البرامج وتترك لنا النخالة لتحتفظ بالـ"ممو"، فإن ذلك من سمات التلفزات البودورو... مما يوسع في الفجوة بين المواطن والإعلام العمومي ليقولون لنا فيما يعد: أرأيتم النتائج؟ يجب التنصل من هذه المؤسسات وبيعها بالمليم الرمزي لخواصنا"...
حينما تنتفخ "أم ڤراڤر"
أن يستقبل رئيس الدولة ويتوج نخبة طلبة الجامعات والمعاهد التونسية في يوم العلم، فذلك أمر طبيعي ومحمود ولا يتطلب أكثر من التنويه لأن الرئيس هنا يقوم بعمله... أن يمسك المنشط الإذاعي-التلفزي-الحزبي عفيف الفريڤي بهذا الموضوع في أول حلقة له من برنامج "مسك الليل" وينفخ فيه كما فعلت الضفدعة أم ڤراڤر مع نفسها امام البقرة، فإن ذلك لا يحصل إلا مع الهجالة التي تنفخ في النخالة لتلهية الدواجن بغناء التراب فيما هو مليء بالحصحاص...
إستضاف الفريقي تلك النخبة ليحاورها حول واقعها وآمالها وفي خلده التوجه دائما وباستمرار إلى من يهمه الأمر من المسؤولين وإلا لقام بعمله التنشيطي العادي دون ذاك التطبيل الذي استمعنا إليه من نظيره الزيدي والذي لا يغني إلا القائلين به... وكما هي الحال في استعمال اللون البنفسجي في الغالبية الغالبة من برامج الهجالة حتى في تلك التي لا منفعة إقتراعية منها مثل برامج الأطفال (برنامج أحنا هكا لنزار الشعري) او المسنين (رحلة عمر)، فإن الفريقي استهل البرنامج بنخبة الأمن الوطني والجيش والديوانة والحرس الوطني... أليست هناك أبلغ رسالة في مجتمع طيلة تاريخه لا علاقة له بالمؤسسات العسكرية والأمنية؟ أن نستمع للفريقي يقول "الجيش وما أدراك من الجيش... برشة شبان يحبوا يدخلوا الجيش" ونعرف مليا ان الشبان هاربين حتى من الخدمة العسكرية جراء الرافل، نعرف أن الخطاب ليس موجها للمواطن... حينما يعلن الفريقي أن من بين الحاضرين أولياء من التجمع الدستوري الديمقراطي (؟)، هل نستمر في مشاهدة البرنامج أم نرحل نحو نسمة أو حنبعل؟ هذا ناهيك هن لون الستائر البنفسجية وبساط المنصة حتى الورقة التي يمسك بها السيد الفريقي فهي بنفسجية... وبالتالي، لا نفاجئ حينما يسأل الفريقي :"ماهو إحساسك وأنت واقف أمام سيادة رئيس الجمهورية؟" طبعا هي أسئلة نخالية. وإن اعتدنا النخالة في حياتنا الإعلامية العامة، إنه من غير اللائق للهجالة أن تعتبر التوانسة الذين يمولونها جمع من الدجاج لا حق له إلا في النخالة...
بعض الأطباء المداوين بالطبيعة يقولون بأن النخالة هي "قلب" القمح وهي أفضل ما يوجد به... ولذلك نرى التونسي يحب العضم (البيض) العربي والدجاج العربي لأن بهما قوة التخالة... فهل إعلام الهجالة هو "قلب" الإعلام؟
نجيب على شاكلة "زوربا": "لا تعكر حلمها، فهي صحبة نخالة باشا..."
الطريق الجدبد. العدد 137 ص 9 بتاريخ السبت 18/7/2009

Tunisnews العدد 3343 بتاريخ 18 جويلية 2009


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.